متي ينتهي قانون الكبار الغبي؟

كتبهابلا أمل ، في 13 يونيو 2009 الساعة: 21:25 م

أعترف بأنني كنت خجولاً ولم أتخلص من خجلي كله حتي الآن.. وفي قريتنا كان كبارنا يخلطون بين الخجل ودماثة الخلق فرسخوا فينا الخجل علي أنه فضيلة.. وكانوا يقولون عن كل خجول. وأنا منهم. انه عاقل ومؤدب "ومتربي".. وكان الحوار مع الكبار في رأيهم وقاحة ورذيلة.. وكان كبارنا كثيرين جدا.. الأقارب والأباعد ينبغي توقيرهم لأنهم كبار.. فكنا نودع كبيرا لنلتقي بكبير آخر.. وهكذا كان الحوار من المحرمات.. والممنوعات في القرية أضعاف الممنوحات.. والمحظورات أضعاف المباحات.. ولم يكن من اللياقة أن تطلب.. بل من اللياقة أن تنتظر حتي يتحقق ما تريد.. أو تنتظر إلي ما لانهاية.. من اللياقة أن تتسم بالتعفف ولا تبدي التأفف.. والكبار هم الذين يحددون لك ما تريد وما لاتريد.. وهذه القسوة الظاهرة والفظاظة الواضحة علمتنا فضيلة الاستغناء وقمع حاجاتنا وإلغاء رغباتنا.. فلم يكن هناك فرق يري بالعين المجردة بين الفقراء والأغنياء في القرية.. وهذا ما يسميه صديقي المحاسب سعيد إبراهيم حسن -من سوهاج الزمن الجميل- وكانت لدي آبائنا نظرية راسخة هي أن الفلوس مفسدة وكانوا يرون أن التضييق علينا في المصروف يقينا الانحراف ويساعدنا علي التفوق.. وهذه النظرية نشأت ربما نتيجة عقدة لأن جيلا سبقنا أغدقوا عليه الفلوس والمصروف.. فسقط في منتصف الطريق وفشل في استكمال مسيرة التعليم.. فأصلح الآباء الخطأ بالتضييق الكامل علي جيلنا.. أي أننا دفعنا فاتورة من سبقنا.. ومن يدري لعل آباءنا علي حق.. والمهم في الأمر أن الشكوي كانت ممنوعة "وعيب".. الشكوي من أي شيء.. وكنا نتباري في إظهار الرضا والصمود والجلد حتي نرضي آباءنا رغم شظف العيش المقصود.. وقسوة الظروف المتعمدة.. وكنا نصدق كلام آبائنا كأنه وحي يوحي بأن المتفوقين جميعا كانوا يذاكرون علي "لمبة جاز" وأن "الطبلية" هي المكتب الذي تعاقب العباقرة عليه.. وأن كل الذين ذاكروا علي ضوء مصابيح الكهرباء وأحيطوا بالرعاية والخدم والحشم والفلوس والمراوح والتكييفات فشلوا وكانوا "صايعين وضايعين".. ولا أذكر أنني طلبت من أبي رحمه الله فلوسا في أي يوم.. وكنت وأنا أتأهب للذهاب إلي المدرسة الاعدادية في القرية المجاورة.. أو السفر إلي الثانوية في المدينة أو السفر إلي الجامعة في القاهرة ألجأ إلي أمي كوسيط.. وأنتظر حتي تأتيني بالفلوس وسؤال تقليدي نقلا عن أبي: "هل يكفيك هذا المبلغ؟".. والإجابة دائما: نعم.. قبل أن أعرف كم هذا المبلغ.. وعندما وثق أبي بأنني علي وشك التخرج وأن الغمة توشك أن تنزاح وأن خطر الفشل لم يعد ماثلا. بدأ الإغداق عليَّ بشكل واضح. وكنت أتلقي من خلال أمي أكثر مما ينبغي.. ولم أكن في ذلك وحدي.. جيلي كله عاش هذه الظروف وطبقوا عليه نفس السيناريو.. لكن النظرية لم تسلم من الخطأ فمنا من نجح ومنا من فشل.. ولم تكن الفلوس هي السبب بالطبع.
ودار الزمان دورته ومر ألف ألف عام علي ذلك كله ومازال بعض الخجل في دمي ولحمي. ومازلت لا أقوي علي طلب شيء.. ومازلت أتحاور بحذر شديد مع أي كبير في السن أو في موقع المسئولية.. عقدة الكبار سيطرت علي تماما.. وتراني دائما أسمع أكثر في أي حوار.. والكتابة عندي أيسر وأكثر طلاقة من النطق أو الحوار اللساني وجها لوجه.. لذلك لا أجد نفسي صالحا للقاء إذاعي أو تليفزيوني أو ندوة أو محاضرة أو حوار مباشر مع رئيسي في العمل مثلا. أو مع أي مسئول.

 

بقلم: محمد أبوكريشة

كلنا في الفنادق ولا أحد في الخنادق!!

 

الأحد 9 من شوال 1428هـ - 21 من أكتوبر 2007 م



بلا أمل

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قانون الكبار الغبي | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر